السيارات على وشك أن تصبح أكثر تكلفة وتلوثاً.

هناك أمور كثيرة تخشى أكبر شركات السيارات في العالم حدوثها نتيجة الغزو الروسي لأوكرانيا، والأمر لا يتعلّق فقط بعمليات توقف الإنتاج، أو أزمات سلسلة الإمداد.
تهز الحرب على أوكرانيا أسواق السلع الأساسية من النيكل إلى القمح والذرة، وتتسبّب في انقلاب فرص التبادل التجاري رأساً على عقب، وتثير حالة من عدم اليقين حول الإمدادات المستدامة. وهناك عنصر أساسي يستخدمه عمالقة السيارات الذين يصنعون سيارات أنظف، ويأتي ضمن المواد المتأثرة بالحرب أيضاً، وهو البلاديوم. أصبحت الأسعار مرتفعة للغاية لدرجة أنَّ معدل سرقة أجزاء السيارات المصنوعة من هذا المعدن -المحول الحفّاز- ارتفع بشكل حاد في الولايات المتحدة وأماكن أخرى.
كذلك، تعد تداعيات ارتفاع أسعار البلاديوم وقضايا الإمدادات عميقة، كما أنَّها تهدد الطموحات الخضراء الكبيرة لصُنّاع السيارات، الأمر الذي يجعل إنتاج السيارات أعلى تكلفة وسط الضغوط المتزايدة للحد من الانبعاثات الكربونية. ويستعد المشترون المتحمسون- العديد منهم ظهر في الولايات المتحدة بعد الوباء- لدفع أسعار أعلى في صفقات السيارات.
تتمتع روسيا بنحو 40% من إمدادات البلاديوم المادة الأساسية التي تُستخدم للمساعدة في جعل السيارات أكثر صداقة للبيئة. تحتوي كل مركبة عاملة بالبنزين في أي مكان في العالم على ما بين غرامين و15 غراماً من البلاديوم. أما المركبات العاملة بالديزل؛ فتتضمّن مقداراً أكبر (فكّر في المركبات التجارية الثقيلة). تُستخدم مجموعة المعادن البلاتينية، بما فيها البلاديوم والروديوم، في أنظمة عادم السيارات؛ فهي تحد من تلوث الهواء بفضل خصائصها الكيميائية والفيزيائية الفريدة. وتم اختبار مواد أخرى، لكنَّ الأمور لم تسر على نحو جيد

يدخل البلاديوم بشكل أساسي في إنتاج نحو 70% من المركبات الخفيفة، وهذا المقدار يحافظ على مستويات الانبعاث الحالية، لكنَّ الأهداف التي تحفّز الصناعة نحو إزالة الكربون أصعب بكثير، وما زال هناك الكثير مما ينبغي فعله للوصول إلى الأهداف التنظيمية.

شركات غير مستعدة

من الناحية الواقعية، يعتمد الدفع نحو خفض الانبعاثات الكربونية، وأن تكون أكثر مراعاة للبيئة إلى حد كبير على صنع مركبات تقليدية أفضل الآن، إلى أن تصبح المركبات الكهربائية مجدية من الناحية التجارية حقاً. وفي حين يحدث التحول نحو المركبات الكهربائية؛ ستستمر سيارات البنزين وشاحنات الديزل في الوجود. فعلى سبيل المثال؛ باعت شركة “فورد موتور” ما يقرب من 46 ألف سيارة ديزل فائقة التحمل في الربع الأخير من عام 2021، بزيادة 11% عن الأشهر الثلاثة السابقة.
حالياً، أصبح معدن البلاديوم باهظ الثمن. وليس من الواضح كيف تخطط شركات السيارات لشراء المواد على المدى المتوسط، أو ما ستفعله عندما تصبح الأمور أكثر صعوبة. برغم أنَّ الشركات، مثل “تويوتا موتور”، قد ابتكرت تقنيات من شأنها خفض استخدام البلاديوم في الأعوام الأخيرة؛ إلا أنَّ هذه التقنيات لم تُستخدم على نطاق واسع بعد.
كما يتضح من نقص أشباه الموصلات، أنَّ شركات صناعة السيارات نادراً ما تكون مستعدة لمثل هذه العقبات، فهي لم تخطط للمستقبل. بدلاً من ذلك؛ تخلت الشركات عن بعض الرقائق المهمة في عملية تصنيع السيارات، ورفعت الأسعار بشدة لزيادة هوامش ربحها. من المخيف التفكير في الكيفية التي ستصبح عليها السيارات المسببة للتلوث إذا تم تطبيق مثل هذه التكتيكات على البلاديوم والمحولات الحفّازة.
من المؤكد، كما يذكر الكثيرون، أنَّ الصادرات لن يتم تقييدها على الفور، وبالنظر إلى مشكلات إمدادات البلاديوم التي طال أمدها؛ فهناك بدائل متاحة مثل البلاتين، وهذا أمر مُنصف. بيد أنَّ تكلفة البلاتين تزداد أيضاً، لكنَّه لا يؤدي المهمة المطلوبة بكفاءة.
علاوة على ذلك، يعتمد الإحلال على مجموعة من العوامل. فعلى سبيل المثال؛ تظل تركيبات البلاديوم فعالة لفترة أطول مقارنة بالبلاتين في درجات الحرارة المرتفعة. وبالتالي؛ يكون المكان الذي تضع فيه جهاز المحول الحفّاز داخل السيارة شيئاً مهماً.
كما تتطور أنماط الشراء أيضاً، إذ تحظى مركبات الدفع الرباعي والشاحنات الصغيرة بشعبية كبيرة. وهذا يعني أنَّها تستخدم المزيد من البلاديوم لتصبح أكثر صداقة للبيئة. خلاصة القول؛ إذا استمرت الشركات في صنع مركبات تعتمد على هذه المجموعة من المعادن للحدِّ من أبخرتها المسبّبة للتلوث؛ سيكون الأمر مجزياً.
في النهاية، تحاول شركات صناعة السيارات تلبية الأهداف والقيود التنظيمية. وهي لا تتحوّل لتصبح صديقة للبيئة كممارسة حسنة النية ليتسنى لنا جميعاً تنفّس هواء أنظف، بل ثمة عقوبات إذا لم تفعل ذلك، كما اكتشف الكثيرون بالفعل

منقول

Exit mobile version